• ×

صحيفة مرخصة من وزارة الثقافة والإعلام برقم ج ص ١٢٣٢

الجمعة 10 يوليو 2020

السيد خاطر
بواسطة : السيد خاطر

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بقلم الكاتبة: إيمان الجمعة

على غفلة في سلسة الأيام كلا منا فجأة قد يجد نفسه واقفًا لحاجة ما تحت مظلة الاستسلام ولكن بقناع الصبر، قناع صبرك ذاك الذي يُحرق أعصابك على مهلٍ الآن؛ و لربما غيَّبك عن نفسك لتهملها، أو سجنك في عالمٍ لا تعرف كيف ترجع منه، وربما هذا وهذا وهذا ... فكلا يعلم أين أوقف نفسه وإلى ماذا آلت إليه روحه اليوم؛ وإن كنت ما أقصده من الصبر ليس الذي قد يطرأ على مخيلتك الآن؛ فلأنَّه تختلف قواعد التحمل والصبر والاستسلام عندما تقع على الفرد مشكلة ما؛ ما أقصده ذاك الذي ادعينا عنه مسمى الصبر الذي ينخر صحتك، و يمتص طاقتك إلى أن تتحول إلى فراغ يحشوك من يريد بما يريد، ما يجعلك جثة كئيبة صامتة بتوتر، تبكي في آخر الليل في متاهة الاستسلام، وكلما تفوهت بكلمة تخرج لك أصواتٍ قزمة تنمو لك وسط هذه المشكلة؛ فبدل أن تقويك على العكس تكسرك بكلام غير منطقي في قواعد الإنسانية، من هذا النمط ينبثق سؤال متى علينا أن نفهم أنَّ كل ما يفتك قوانا لا يستحق الصبر عليه؟ ومتى نفهم حين يشتكي الفرد لا يريد طبطبة على كسرهِ وإنما يريد حل ينقذه؟

باتت أكثر كلمات تتردد على مسامعنا - تحمَّل واصبر- في كل زوابع مشاكلنا؛ صدقا أنعي مفهوم الصبر بما فيه الكفاية قبل أن ننحر أنفسنا به؟؟ أمعقول أن يضع شخص خنجرًا على حياتك دون أن تدافع عنها ولو بصرخة، فقط تطبطب على موتك بكلمة ثقيلة اصبر واحتسب أمرك إلى الله؟؟، أ فليس الواجب عليك سوى أن تدافع عن نفسك؟ أفلا ينبغي أن تنفض كل شيء لا يستحقك؛ معروفًا أنَّ أساس الإنسان لا يرضى على ذاته أقل مما تستحق؛ و من يرضى فلن ينال إلا العدم و سيبقى هكذا إلى أن يموت؛ و هذا لا يعني نفي مكانة وعظمة التسليم لله والصبر على قضاءه والأجر منهما؛ ولكن يختلف الأمر هنا؛ فالصبر والاستسلام لهما مفترق طرق ستكون نهايتك فيه؛ و أنت عليك أن تقرر إلى أين تتجه بنفسك؛ و واجب علينا أن نفهم معاني الكلمة الذي نريد أن نحيا بها؛ فلربما نُخنق دون وعي منا ذواتنا أو أفراد تنتظر من ينصرها، فتخيل لو أن وسط هذه الجائحة لفيروس كورونا التي أصبحت تهدم النفس وتفتك بالحياة لتبقيها على منوالٍ واحد؛ وبدأنا نجابهها فقط بالتسليم و الصبر دون العمل؛ وترتيب أعذار على عدم المقدرة، برأيك ماذا سيحل بالعالم؟ الجواب بديهي وهو أن العالم سينطفئ في أيامٍ قليلة باستسلامه دون العمل.

وهذا هو ما تفعله مع نفسك حين تجرّها لمقصلة كي تنحرها على مهلٍ كل يوم إلى أن تموت كل قوتها متجها لمنحى آخر تعتقد أنه الصبر متناسي أنك تتخادل عن دفع الأذى عن نفسك؛ لتوهمها بالضعف، و تختار الاستقرار في زاوية دور الضحية وأنَّك المغلوب على أمره، لئلا تشغل نفسك بالدفاع عنها، من هذا المنطق أعنيك أنت الذي اختلست نفسك و اخترت الجلوس معها في زاوية تقنعها بالاستسلام للواقع المتعب الذي أوصلتها بيدك إليه، نعم قد نُجبر أن نختار مسارًا ما ونعيشه ، وقد تفرض علينا حياة ليست تشبهنا؛ و قد نساير أيَّامنا ونجامل ساعاتنا بابتسامة إلى أن يأتي اليوم الذي تصل فيه الابتسامة إلى حدِّ الموت؛ فتموت دون أن ندرك؛ ولرُّبما لأنَّنا تعوَّدنا أن تُحيطنا الأصوات التي تخذلنا وتُثبط كل مافينا من قوة؛ ولكن الكارثة الحقيقية عندما نُسلَّم مشكلتنا كامل التسليم في يد شخص ولا نجد منه إلا كلمة – تحمَّل - و يحشونا بصبر غير منطقي، وذاك يتكلم بنغمة المتشائم ليرسم لك الحياة بنظرة سوداوية، وأنَّك لست الوحيد والعالم مليئ بأمثالك؛ لتشعر أنَّ مشكلتك صغيرة؛ إلى أن تجدك تغرق وتغرق أكثر في حفرة تغطي أيَّامك بالضَّعف، و ليس غريبًا في مجتمعاتنا أن تُصادف هذه المشاهد؛ فنحن مقيدون بقوانين ومفاهيم نحتنا حتى الكلمات فيها؛ إلى أن ظل حاضرنا والمستقبل هما من يدفعان ضريبة تقاسعنا عن الدفاع عن ذواتنا؛ ولكن أتوقفنا يومًا لنسأل أنفسنا نصبر لماذا وعلى ماذا؟ الاحتمالات كثيرة لديك لتمد بنظرك وتجد الواقع الذي بات واقفًا تحت مظلة الاستسلام بقناع الصبر.

فتعريف الاستسلام بدقة يأتي بمعنى أن يكون للفرد نزعة تجعله خاضعًا للأحداث والأمور دون أن يكون لديه أيّ ردّة فعل؛ وهذا معاكس لتعريف الصبر الذي يؤجر العبد عليه، وكم رفع الله من مكانة الإنسان القوي ليخصّه في حديث: (المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللَّهِ منَ المؤمنِ الضَّعيفِ)[صحيح مسلم]. وكما قال: [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ] - الأنفال: 60 –

فكل الذي يُعرقل حياتك مثل العدو و واجب عليك أن تعدَّ له ما استطعت من قوة لتجابهه كي لا يكسرك، و هذا مايتمثل لو التفتنا جيدًّا في وقتنا هذا إلى أولئك الأبطال الذين يسكنون ساعات وأيَّام في المختبرات وخلف البحوث والتجارب، أولئك الذين لا ينامون منشغلين كيف ينقدون الناس من هذه الجائحة؛ أفلأنهم معجونون في النجاح والاستمرارية و لا يعترفون بالاستسلام للفشل؟ فلو كانت هذه الجائحة لفيروس كورونا اختبار يقيس قوة صبرنا و عدم الاستسلام؛ و درس يُخبرنا ألَّا نستسلم لمجرد أنَّ الأمر رُبَّما لن يعود كالسَّابق؛ هذا سواء كان وظيفة أو علاقة أو حياة وغيرها من أمور تجري علينا و توقفنا عند مفترق قرار ليكون نهاية لنا؛ فقط تذكَّر أنت من يتخذ القرار، وإن كانت القرارات أحيانا تأوي بنا إلى مضيق ضيق فنستسلم عنده؛ فأنت أوجد طريقة تجعلك تستسمر.

قد تُمشيك الحياة إلى حيث لا تُريد، و ترمي بك في طرق لم تكن يومًا تفكر فيها، وقد تهرب من حزن يجعلك تكبر كُلّ ساعة مئة عام، لكن كل ذلك يمضي وتبقى أنت أنت؛ والأهم ألَّا تصدم نفسك بالاستسلام فتقتلها؛ فقد عُرف الإنسان قويًّا بما فيه الكفاية ليُحول من الجبال بيتٍ ينام فيه!

أنت إنسان خلقت لتختار حياتك كيفما تناسبك؛ لا كأنَّه يُفصَّل لك لباسًا من عبث الأفكار و تلبسه، وفي المقابل تستسلم لئن يُجردك من كل الحياة بداخلك ويخنقك، لم تُخلق لكي تسجن نفسك في زوايا أوهام الضعف والحزن، أعلم بأنك ستسأل عن تخادلك وضعفك وهو الذي أعطاك كُلّ القوة، ولم تستخدمها؛ والعمر واحد فلا تدعه يهرول منك في أن تجعله[ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ] -الكهف:45-

ألا زلتَ مكتف تحت مظلة الاستسلام بقناع الصَّبر؟!

التعليقات ( 0 )

جديد المقالات

بواسطة : السيد خاطر

بقلم الكاتبة: هند الشمبري سقف طموحي أعلى من...


بواسطة : السيد خاطر

الكاتبة : غلا المالكي. نكبر بالعمر رغمًا...


بواسطة : السيد خاطر

تمنيتك شجن يسري على أنغام بسماتي وما فكرت إن...


بواسطة : السيد خاطر

مما اتفق عليه القدماء والمحدثون بأن القصيدة...


بواسطة : السيد خاطر

محمد الرياني رسمتْ مرجيحةً، لم ترسمْ للطفولة...


بواسطة : السيد خاطر

القاهرة - د/ عمرو الفقي في دفعة تحفيزية و اعتراف...


بواسطة : السيد خاطر

نَقَشْتُ عَلَى وَجْهِ السَّمَاءِ التَخَیُّلا...


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش. الوقت الآن هو 09:52 صباحًا الجمعة 10 يوليو 2020.